الحريةُ المطلقة قمعٌ صارخٌ لحرية الآخرين

Image

بسم الله الرحمن الرحيم

والحمد لله، وكفى، وسلام على عباده الذين اصطفى، محمد وآله المطهَّرين مصابيح الظلام، وهُداة الأنام.

موضوع الحوار: لماذا لا يَحترم المؤمنُ حريةَ التعبير في انتقاد الدين ورموزه؟

الملحد: ثمة مغالاةٌ من المسلمين في احترام الدين، حتى أصبح فوق كلِّ مستويات الاحترام للإنسان، ولنأخذ مثالًا على ذلك، ففي سبتمبر 2005، نشرت صحيفة "جيللاندز بوستن" رسمًا كاريكاتوريًا يصور نبي الإسلام، الأمر الذي أثار غضبًا واستياءًا في العالم الإسلامي، لماذا لا يَحترم المؤمنون حريةَ التعبير في انتقاد الدين ورموزه؟

الموحد: لكي أَردَّ على سؤالك هذا ينبغي أن أوضِّح معنى الحرية، حيث تُستغل كثيرًا لتبرير ‏بعض الأفكار الخاطئة، ولفهم التحفُّظات التي يُظهرها الإسلام حيال الحرية الغربية ينبغي تحديد إطار الحرية وتحركاتها.‏

الملحد: وكيف يحدِّد الدينُ إطار الحرية وتحرُّكاتها؟!

الموحد: إن الدين يرى أن الحرية هي اختيارٌ، وبنفس الوقت ‏مسؤولية؛ لأنك ‏يجب أَن ترجِّح الأصلح، وهذا الترجيح يشمل كلَّ جوانب الحياة، ويستوعب كلَّ ‏سلوك الإنسان، ‏فالإنسان كائنٌ ذو عقل، ومساهمة العقل في الحرية هي في تحديد الخيارات الجيدة ‏والصالحة، وبالنتيجة، ‏فسوف يستعمل الإنسان عقله في الحرية، وسوف تصبح كل خياراته ‏عقلانيةً بعيدةً عن ‏الأنانية والغريزة، ويصبح إنسانًا منضبطًا، وبما أنه عاقلٌ ومنضبط، فإنه سيراعي بقية القيم ‏مثل العدل والعلم والتسامح، وعندما يتعامل مع الحرية فإنه لا يأخذها بمفردها، بل ‏مع المجموع، ‏وهنا سوف يراعي ترتيب المهم والأهم.

الملحد: تحديد الدين إطارَ الحرية يخرجها عن معناها، بل يكون ذلك تقييدًا وقمْعًا، فيثبت أن الحرية هي بالمعنى المطلق لا المقيَّد!!

الموحد: مثل هذه الحريّة لا وجود لها، فلا توجد حريةٌ في جميع النواحي وفي ‏كل ‏شيء ‏ومن دون ‏قيد أو شرط، وإنما يوجد إنسانٌ حرٌّ، ولكنْ ليس بالحرية المطلقة.‏

فمثلًا لو ‏تعارضتِ الحريةُ ‏مع الأمن، فقطعًا سنقدِّم الأمن؛ لأنه أهم، وكذلك لو تعارضتْ مع التعليم مثلًا، ‏فإذن، إذا أردنا أن ‏نصل إلى مفهومٍ صحيحٍ للحرية فعلينا أن نقوم برصدٍ شاملٍ لكل القيم بعيدًا عن ‏التأثيرات ‏الزمانية والمكانية، وهذه هي نظرة الدين، فهي نظرةٌ شاملةٌ لا تتأثر بالظروف مثل ‏ما ‏تتأثر الفلسفات الإنسانية.

الملحد: ولماذا لا تكون حرية التعبير دون قيود، بل تكون مطلقةً في كل شيء؟

الموحد: لأن حرية التعبير المطلقة تؤدي إلى الفوضى والانحراف، وهذا ما يحاول الدين ‏تفاديه، ‏فعندما يتعامل المجتمع مع الحرية، يجب أن يكون هناك توازن بينها وبين الحفاظ على ‏النظام ‏والأمن العام، وهذا ما تعلَّمناه من تجارب التاريخ والحضارات المختلفة، والحرية المطلقة أشبه بالأب الذي ‏يوفِّر لابنه الحرية في أكل ما يريد من الأطعمة، سواء كانت ضارة أو نافعة، ‏فإنه ‏بذلك يكون قد ‏حكم عليه بالموت، أما إذا وضع هذا الأب لابنه ضوابط لتناول الطعام فهذا لا يعني أنه تقييد له، بل هو ‏للحفاظ ‏عليه من الهلاك.‏. فكذلك الذي يريد حريةً بلا قيود ولا حدود، فإنه ‏يدمر ‏المجتمع ‏والإنسانية بتلك الحرية.

وهنا أسألك: ماذا لو واجهت شخصًا يريد أن يعتدي عليك أو على ممتلكاتك بحجة حريته الشخصية؟

‏فحتمًا ‏سوف تواجهه، وتمنعه، وتقول له: حريتك حدودها أن لا تعتدي على غيرك، وبذلك تكون قد ‏اعترفتَ ‏بأن هناك ‏حدودًا ‏للحرية، فيثبت أن الحرية هي بالمعنى المقيَّد لا المطلق. ‏ ‏

الملحد:‏ لكنَّ الحرية الغربية تحترم الإنسان، بخلاف حرية الإسلام، فإنها لا تحترم حرية الإنسان، بل تقمع حريته، فلمجرد رسمٍ كاريكاتوري يصور نبي الإسلام، نجد أن المسلمين في العالم الإسلامي قد أعربوا عن غضبهم واستيائهم!!

الموحد:‏ اتهام الإسلام بعدم احترام الحرية التي انتقدتْه، وانتقدتْ رموزه، وحاولت تشويه صورة النبي الأكرم (صلى الله عليه وآله وسلم)، وأنّ على المسلمين أن يلزموا جانب الصمت وعدم الاعتراض على ذلك، فهذا بحد ذاته قمْعٌ صارخٌ لحرية التعبير والفكر، فالحريةُ التي سمحتْ لكم بتشويه صورة النبي الأكرم هي ذاتها ‏التي ‏تسمح للمسلمين بالاعتراض عليكم وبالطريقة التي يرَونها مناسبة، فلماذا الاعتراض إذًا؟!.. وأعيد عليك السؤال نفسه الذي ذكرتُه لك قبل قليل: ماذا لو واجهتَ شخصًا يريد أن يعتدي عليك أو على ممتلكاتك بحجة حريته الشخصية؟

‏من المؤكد أنك سوف تمنعه، وتقول له: حريتك حدودها أن لا تعتدي على غيرك.. إذًا، فالحرية التي تتحجَّجون بها لتبرير الإساءة إلى نبي الإسلام، هي نفسها الحرية التي يحتجُّ بها المسلون اعتراضًا وردًّا على إساءتكم، وإلا فأنتم تقمعون حرية التعبير على وفق رؤيتكم!

الملحد: لكن ماذا عن حرية التعبير والتفكير التي تساهم في التقدُّم والتطور؟ لماذا يجب أن تكون هناك قيود على هذه الحريات؟

الموحد: لا شك أن حرية التعبير والتفكير هي أساسية للتقدُّم والتطور، والدين لا ينكر ذلك، ولكنَّ هذه الحرية يجب أن تأتي مع تحمل المسؤولية واحترام حقوق الآخرين، فعندما تُمارَس حرية التعبير بنحوٍ يؤدي إلى الافتراء على الآخرين أو إثارة الفتنة، فإن ذلك يعدّ انتهاكًا لحقوق الآخرين وتهديدًا للسلم الاجتماعي.

والحمد لله أوّلًا وآخرًا، وصلّى الله، وسلّم على سيّدنا ونبيّنا محمّد وآله الطيّبين الطاهرين المعصومين المنتجَبين.

اللجنة العلمية في مركز الدليل العقائدي.